محمد حسين الذهبي
130
التفسير والمفسرون
وثانيها : أن معنى الآية : فمن يرد اللّه أن يثبته على الهدى يشرح صدره من الوجه الذي ذكرنا جزاء له على إيمانه واهتدائه ، وقد يطلق لفظ الهدى والمراد به الاستدامة كما قلنا في قوله « اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ » ، « وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ » أي يخذله ويخلى بينه وبين ما يريده لاختياره الكفر وتركه الإيمان « يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً » بأن يمنعه الألطاف التي ينشرح بها صدره لخروجه من قبولها بإقامته على كفره . فإن قيل : إنّا نجد الكافر غير ضيق الصدر لما هو فيه ، ونراه طيب القلب على كفره ، فكيف يصح الخلف في خبره سبحانه ؟ قلنا : إنه سبحانه بين أنه يجعل صدره ضيقا ولم يقل في كل حال ، ومعلوم من حاله في أحوال كثيرة أنه يضيق صدره بما هو فيه من ورود الشبه والشكوك عليه ، وعندما يجازى اللّه المؤمنين على استعمال الأدلة الموصلة إلى الإيمان ، وهذا القدر هو الذي يقتضيه الظاهر . وثالثها : أن معنى الآية من يرد اللّه أن يهديه زيادة الهدى التي وعدها المؤمن يشرح صدره لتلك الزيادة ، لأن من حقها أن تزيد المؤمن بصيرة « وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ » عن تلك الزيادة بمعنى يذهبه عنها من حيث أخرج هو نفسه من أن يصلح عليه « يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً » لمكان فقد تلك الزيادة ؛ لأنها إذا اقتضت في المؤمن ما قلناه أوجب في الكافر ما يضاده ، ويكون الفائدة في ذلك الترغيب في الإيمان والزجر عن الكفر . . . وهذا التأويل قريب مما تقدم . وقد روى عن ابن عباس أنه قال : إنما سمى اللّه قلب الكافر حرجا ، لأنه لا يصل الخير إلى قلبه ، وفي رواية أخرى : لا تصل الحكمة إلى قلبه . ولا يجوز أن يكون المراد بالإضلال في الآية الدعاء إلى الضلال ، ولا الأمر به ، ولا الإجبار عليه ؛ لإجماع الأمة على أن اللّه تعالى لا يأمر بالضلال ولا يدعو إليه ، فكيف يجبر عليه ، والدعاء إليه أهون من الإجبار عليه . وقد ذم اللّه تعالى فرعون والسامري على إضلالهما عن دين الهدى في قوله : « وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى « 1 » » وقوله ( وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ « 2 » ) ولا خلاف في أن إضلالهما
--> ( 1 ) الآية ( 79 ) من سورة طه ( 2 ) الآية رقم ( 85 ) من سورة طه